المدونة

"بيوت الطين" في الحدود الشمالية.. ذاكرة تنبض بحكايات الأجداد

تقف بيوت الطين في قرى منطقة الحدود الشمالية، مثل لينة، ولوقة، والدويد، وأم رضمة، وغيرها، شامخةً وشواهد حية على أصالة المكان وعمق التاريخ، مجسّدةً جمال العمارة الريفية وبساطتها، وحافظةً بين جدرانها حكايات الأجداد وملامح حياةٍ صاغتها البيئة وشكّلها الإنسان بعفوية وإبداع.
وتعكس هذه البيوت نمط العيش السائد في تلك الحقب، حيث واجه السكان تحديات المناخ وقسوة الطبيعة بحلول ذكية، أسهمت في استدامة الحياة وتيسيرها، إذ شكّلت نموذجًا متقدمًا للتكيّف البيئي، اعتمد على مواد محلية مستمدة من الطبيعة، مثل: الطين والأخشاب, وسعف النخيل، في انسجامٍ تام بين الإنسان وأرضه، ووعيٍ مبكر بمفاهيم البناء المستدام.
وتبدو بيوت الطين ككتابٍ مفتوح، يقرأ من خلاله الزائر تفاصيل الحياة الماضية؛ من هموم الناس وتطلعاتهم، إلى أحلامهم البسيطة وطقوسهم اليومية، فهي لا تحكي قصة بناء فحسب، بل تروي فصولًا من الذاكرة الاجتماعية، وتوثّق علاقة الإنسان بالمكان، وتمنح المشاهد إحساسًا بعبق الماضي ودفء العيش القديم.
ورغم اختلاف تصميمها من منزلٍ لآخر، إلا أن ملامح مشتركة تجمعها، أبرزها المجلس أو المشب في بعض المنازل، والذي كان يمثل قلب البيت ومركز الاجتماع، ومكان استقبال الضيوف وتبادل الأحاديث، في صورة تعكس قيم الكرم والتلاحم الاجتماعي التي اشتهر بها أهالي المنطقة.
ويبرز قصر الملك عبدالعزيز في قرية لينة التاريخية، جنوب محافظة رفحاء، بصفته أحد أهم الشواهد على تطور البناء بالطين في المنطقة؛ إذ شُيّد بالكامل من اللبن، ولا يزال صامدًا منذ أكثر من تسعين عامًا، في دلالة واضحة على متانة المباني الطينية وجودتها العالية آنذاك، وقد وفّرت هذه العمارة حماية طبيعية من تقلبات الطقس، فكانت عازلًا فعالًا من البرد والحر، ومقاومةً للأمطار والعوامل البيئية المختلفة.
وتبقى بيوت الطين في منطقة الحدود الشمالية إرثًا معماريًا وثقافيًا ثمينًا، يعكس هوية المجتمع، ويجسّد قصة الإنسان مع المكان، ويستحق العناية والتوثيق بوصفه جزءًا أصيلًا من ذاكرة الوطن وتاريخه.

المصدر: واس (27 ديسمبر 2025م)

مقالات ذات صلة

0 0

الصوف.. حرفة تصوغ هوية المكان

2026-01-15 اخبار

مع كل خيط يُعاد ترتيبه، تعود حكاية قديمة إلى السطح. في الحدود الشمالية، لا يُغزل الصوف لمجرد الدفء، بل استمرارًا لمعرفة تشكّلت عبر زمن طويل، واحتفظت بمكانها داخل الحياة اليومية رغم تبدّل الظروف.

تبدأ رحلة الصوف من الأغنام، مرورًا بمراحل دقيقة من التنظيف والفرز، وصولًا إلى التمشيط والغزل باستخدام أدوات خشبية تقليدية، ما تزال حاضرة في تفاصيل العمل حتى اليوم. هذه المراحل لا تُدار بعجلة، بل تُمارَس بإيقاع هادئ يعكس خبرة متراكمة انتقلت عبر الأجيال بالمشاهدة والتجربة، لا بالتدوين.

الغزل في هذه المنطقة ليس عملية تقنية فقط، بل ممارسة تتقاطع فيها المهارة مع الصبر. تُعاد ترتيب الألياف يدويًا لتتحول إلى خيوط متماسكة، قادرة على مواجهة برد الشتاء الطويل. وتكشف الأدوات المستخدمة عن فهم مبكر لقيمة البساطة، حيث تُؤدّي القطعة الواحدة أكثر من وظيفة، وتُصمَّم لخدمة الغاية قبل الشكل.

أما النسيج الناتج، فيحمل ملامحه الخاصة التي تستمد حضورها من البيئة المحيطة. ألوان هادئة، ونقوش هندسية بسيطة، تخضع لمنطق الاستخدام اليومي أكثر من الزخرفة. البُسط والأغطية المنسوجة لم تكن عنصرًا إضافيًا في الحياة، بل جزءًا أصيلًا من البيت والخيمة، ترافق التنقل والاستقرار على حد سواء.

ومع تحوّل أنماط العيش، لم تختفِ هذه الحرفة، بل تغيّر سياقها. انتقلت من ممارسة فرضتها الضرورة إلى فعل ثقافي تُعاد قراءته اليوم ضمن مساعي التوثيق والحفاظ على التراث غير المادي. وأصبحت مهارات الصوف مجالًا تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الرؤية الثقافية المعاصرة، التي تسعى إلى صون الحرفة وإعادة تقديمها ضمن أطر أكثر استدامة.

الصورة المرافقة تلتقط هذا المعنى بدقة؛ امرأة تجلس وسط الصوف، محاطة بالألوان والنسيج، تمارس العمل بهدوء وثبات. مشهد يختصر تاريخًا طويلًا من المعرفة اليدوية، ويؤكد أن الهوية لا تُحفظ في السرد فقط، بل في الفعل المتكرر، وفي المهارة التي تواصل حضورها رغم تغيّر الأزمنة.

هكذا، من شمال المملكة، يتحول الصوف إلى لغة صامتة تعبّر عن الإنسان والمكان والزمن. نسيج يمنح الدفء للجسد، ويحفظ في خيوطه ذاكرة مجتمع عرف كيف يصنع ضروراته من بيئته، وكيف يحوّل الحاجة إلى ثقافة مستمرة.

المصدر: صحيفة الرياض (13 يناير 2026م)

0 0

لينة التاريخية.. عمق المكان وجمال المشهد

2026-01-12 اخبار

تُعدّ قرية لينة التاريخية، الواقعة على بُعد (105) كيلومترات جنوب محافظة رفحاء، إحدى أبرز القرى التاريخية التي تجمع عمق المكان وجمال المشهد، مستفيدةً من موقعها الإستراتيجي بين النفود والحَجرة، وعلى مفترق طرق رئيسة تربطها بكلٍ من الرياض والقصيم وحائل عبر الطريق الدولي للحدود الشمالية، الذي يشكّل محورًا حيويًا يربط دول الخليج بالأردن وسورية وتركيا وصولًا إلى أوروبا غربًا.
وتحظى القرية بأهمية تاريخية لوقوعها على مسار طريق تجاري قديم كان يربط إقليم نجد بالعراق، وبقربها من أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية، وهو درب زبيدة، ما أسهم في ترسيخ مكانتها التاريخية وتعزيز حضورها الثقافي، لتغدو اليوم نموذجًا مميزًا في تحسين المشهد البصري والاهتمام بالبيئة والهوية المحلية.
وشهدت قرية لينة خلال الفترة الماضية نقلة نوعية في مظهرها العام، تمثّلت في تطوير الميادين والطرق وتحويلها إلى لوحات فنية ومجسّمات جمالية تعكس روح المكان وعمق تاريخه، حيث تتجلّى المناظر الطبيعية في أبهى صورها نهارًا، فيما تتحول ليلًا إلى مشاهد بانورامية مضيئة تضفي طابعًا بصريًا جذابًا يأسر الزوّار.
وشملت أعمال التطوير تنظيم مداخل القرية ومخارجها، وتحسين الجزر الوسطية على امتداد الطرق وداخل النطاق العمراني، إلى جانب توزيع مجسّمات فنية مستوحاة من الموروث الثقافي والتراث المحلي، بما يعزّز هوية المكان ويمنح العابرين تجربة بصرية فريدة، ويجعل من لينة التاريخية وجهة سياحية وتراثية واعدة في منطقة الحدود الشمالية.

المصدر: صحيفة الرياض (12 يناير 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق