المدونة

السياحة الشتوية في الحدود الشمالية بوصلة للبرد والتراث والطبيعة

تشكّل السياحة الشتوية في منطقة الحدود الشمالية أحد أبرز أنماط الجذب الموسمي في المملكة، مستندة إلى طبيعة مناخها البارد، واتساع فضاءاتها البرية، وثرائها التاريخي والتراثي، مما يجعلها وجهة شتوية تستقطب الزوار الباحثين عن تجربة تجمع بين الأجواء الباردة والطبيعة المفتوحة وعمق المكان.
وتستند جاذبية الشتاء في الحدود الشمالية إلى تنوّع عناصره؛ فالمناخ البارد يهيّئ بيئة مناسبة للتخييم والتنزه، والفضاءات البرية الواسعة تمنح الزائر إحساسًا بالهدوء والاتساع، فيما تضيف المواقع التاريخية والتراثية بعدًا معرفيًا وإنسانيًا يعمّق ارتباط الزائر بالمكان، ويمنح الزيارة بعدًا يتجاوز الترفيه إلى الاكتشاف والتأمل.
ويجد الزائر في شتاء الحدود الشمالية تجربة تتشكّل تفاصيلها منذ اللحظة الأولى للوصول، حيث يفرض المناخ البارد إيقاعه الخاص على اليوم، وتتحول جلسات التخييم والمشبات إلى فضاءات لقاء تجمع العائلات والأصدقاء في أجواء يغلب عليها الهدوء والسكينة.
وشكّل فصل الشتاء عبر التاريخ جزءًا أصيلًا من نمط الحياة في منطقة الحدود الشمالية، حيث ارتبط بحركة القوافل والاستقرار البشري المبكر على امتداد المسارات التاريخية، وفي مقدمتها درب زبيدة، وما حوله من قرى وآبار ومواقع استيطان مثل لينة، التي عكست قدرة الإنسان على التكيّف مع المناخ القارس واستثماره في العيش والتنقل والتبادل، ومع تطور البنية التنظيمية للسياحة، انتقل الشتاء في المنطقة من كونه موسمًا معيشيًا تقليديًا إلى مكوّن ثقافي وسياحي منظّم، تُبنى عليه اليوم تجارب متكاملة تجمع بين المناخ والطبيعة والتراث، وتعيد قراءة المكان في سياقه التاريخي الممتد.
وتبرز محافظة طريف بوصفها إحدى أبرز الواجهات الشتوية في المنطقة، لما تشهده من انخفاضات متكررة في درجات الحرارة خلال فصل الشتاء تصل في فترات عديدة إلى الصفر المئوي وما دون ذلك, وتُصنّف المحافظة، وفق السجلات المناخية المعتمدة لدى المركز الوطني للأرصاد، أبرد مدينة سعودية خلال الأربعين سنة الماضية، بعد تسجيلها نحو (720) يومًا لدرجات حرارة من الصفر إلى ما دون الصفر خلال الفترة من 1985م حتى 2025م، نتيجة عوامل جغرافية ومناخية من أبرزها ارتفاعها عن مستوى سطح البحر بأكثر من (850) مترًا، وموقعها في أقصى شمال المملكة، وتأثرها بالمنخفضات الجوية والكتل الهوائية الباردة، مما يمنح الزائر تجربة شتوية نادرة داخل المملكة.
وتُعد منطقة الحدود الشمالية ممرًا رئيسًا للصقور المهاجرة وطرائدها، ما يجعلها وجهة معروفة لهواة الصقارة والمقناص من مختلف مناطق المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث تتحول رحلات المقناص إلى نمط سياحي موسمي يجمع بين الطبيعة المفتوحة والأجواء الشتوية والموروث المتجذر، ضمن أطر منظمة تراعي الأنظمة البيئية والحفاظ على الحياة الفطرية، ويعزّز مهرجان الصقور في محافظة طريف هذا الحضور من خلال فعاليات شعبية وتراثية تسهم في صون الهوية الثقافية ونقل هذه الهواية للأجيال القادمة.
وتتسع خيارات الزائر مع المنتجات السياحية البيئية التي تُقدَّم في المنطقة، وفي مقدمتها التجارب المرتبطة بدرب زبيدة التاريخي، حيث تتلاقى قيمة المسار الحضاري مع مفاهيم السياحة الحديثة، وتبرز في هذا السياق جهود هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية في تقديم تجارب تخييم وبرامج شتوية تعزّز الارتباط بالطبيعة وتراعي مفاهيم الاستدامة وصون الحياة الفطرية، إلى جانب أنشطة متخصصة ضمن موسم شتاء درب زبيدة، من بينها ميادين الرماية التي أُنشئت ضمن أطر منظمة تراعي متطلبات السلامة والأنظمة البيئية.
كما تمثل محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية أحد عناصر الجذب البيئي في المنطقة خلال فصل الشتاء، إذ تحتضن أكثر من (290) نوعًا من الطيور تمثل نحو (58%) من إجمالي الطيور المسجلة في المملكة، من بينها أنواع مهاجرة، إضافة إلى أنواع مدرجة على القائمة الحمراء عالميًا، وتمتد على مساحة تقارب (130,700) كيلومتر مربع ضمن عدة مناطق إدارية، من بينها منطقة الحدود الشمالية.
ويمثّل البعد الثقافي ركنًا أساسيًا في السياحة الشتوية بالمنطقة، حيث تشكّل بيوت الطين في قرى مثل لينة ولوقة والدويد وأم رضمة محطات جذب للزوار، لما تحمله من شواهد على أصالة العمارة الريفية وقدرتها على التكيّف مع المناخ البارد, ويبرز قصر الملك عبدالعزيز في قرية لينة التاريخية نموذجًا بارزًا للعمارة الطينية، فيما تُعد آبار لينة التاريخية، التي يزيد عددها على (300) بئر حفرت في أرض صخرية صلبة منذ آلاف السنين، من أبرز المعالم الأثرية التي تعكس عمق الاستيطان البشري في المنطقة.
وتتميّز سماء الحدود الشمالية خلال فصل الشتاء بصفائها وقلة التلوث الضوئي، مما يجعلها بيئة مناسبة لهواة الفلك والتصوير الفلكي ومتابعة الظواهر السماوية، إلى جانب نشاط المخيمات الموسمية التي يبتكرها شباب المنطقة، وتسهم في تنشيط الحركة السياحية ودعم الاقتصاد المحلي.
ويُعد موسم البحث عن الفقع (الكمأة) من الأنشطة الشتوية المرتبطة بهطول الأمطار، حيث يقبل هواة التراث والطبيعة على رحلات برية تعكس ارتباط الإنسان ببيئته، وقدرته على قراءة مؤشرات التربة اعتمادًا على خبرات متوارثة، في تجربة تجمع بين متعة الاكتشاف وأصالة الموروث.
وترتبط الأطباق الشعبية في المنطقة بطبيعة الحياة الرعوية الصحراوية، ويبرز طبق "المليحية "بوصفه أحد ملامح الموروث الغذائي، حيث اختارته هيئة فنون الطهي طبقًا مناطقيًا ضمن مبادرة "روايات الأطباق الوطنية وأطباق المناطق"، في إطار جهود توثيق فنون الطهي وتعزيز الفرص الاقتصادية المرتبطة بالمكونات المحلية.
وتضم منطقة الحدود الشمالية أكثر من (285) موقعًا أثريًا مسجلًا و(39) موقعًا للتراث العمراني، إلى جانب ثروة حيوانية تُقدّر بنحو (7,551,997) رأسًا، وفق بيانات فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة، ما يعكس امتداد النشاط الرعوي وارتباطه بأسلوب الحياة المحلي.
ويحظى القطاع السياحي في منطقة الحدود الشمالية بعناية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة الحدود الشمالية، من خلال توجيهاته برفع مستوى التنسيق بين الجهات الحكومية والخاصة، ودعم البرامج والأنشطة السياحية، وتوظيف المواقع التاريخية والتراثية، وتنشيط الحركة السياحية، وتطوير قطاع الإيواء، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وتجسّد السياحة الشتوية في الحدود الشمالية ما تزخر به المنطقة من مقومات طبيعية وثقافية ومناخية، أسهمت مجتمعة في ترسيخ حضورها بوصفها وجهة شتوية واعدة ضمن خارطة السياحة المحلية.

المصدر: واس (29 ديسمبر 2025م)

مقالات ذات صلة

0 0

الصوف.. حرفة تصوغ هوية المكان

2026-01-15 اخبار

مع كل خيط يُعاد ترتيبه، تعود حكاية قديمة إلى السطح. في الحدود الشمالية، لا يُغزل الصوف لمجرد الدفء، بل استمرارًا لمعرفة تشكّلت عبر زمن طويل، واحتفظت بمكانها داخل الحياة اليومية رغم تبدّل الظروف.

تبدأ رحلة الصوف من الأغنام، مرورًا بمراحل دقيقة من التنظيف والفرز، وصولًا إلى التمشيط والغزل باستخدام أدوات خشبية تقليدية، ما تزال حاضرة في تفاصيل العمل حتى اليوم. هذه المراحل لا تُدار بعجلة، بل تُمارَس بإيقاع هادئ يعكس خبرة متراكمة انتقلت عبر الأجيال بالمشاهدة والتجربة، لا بالتدوين.

الغزل في هذه المنطقة ليس عملية تقنية فقط، بل ممارسة تتقاطع فيها المهارة مع الصبر. تُعاد ترتيب الألياف يدويًا لتتحول إلى خيوط متماسكة، قادرة على مواجهة برد الشتاء الطويل. وتكشف الأدوات المستخدمة عن فهم مبكر لقيمة البساطة، حيث تُؤدّي القطعة الواحدة أكثر من وظيفة، وتُصمَّم لخدمة الغاية قبل الشكل.

أما النسيج الناتج، فيحمل ملامحه الخاصة التي تستمد حضورها من البيئة المحيطة. ألوان هادئة، ونقوش هندسية بسيطة، تخضع لمنطق الاستخدام اليومي أكثر من الزخرفة. البُسط والأغطية المنسوجة لم تكن عنصرًا إضافيًا في الحياة، بل جزءًا أصيلًا من البيت والخيمة، ترافق التنقل والاستقرار على حد سواء.

ومع تحوّل أنماط العيش، لم تختفِ هذه الحرفة، بل تغيّر سياقها. انتقلت من ممارسة فرضتها الضرورة إلى فعل ثقافي تُعاد قراءته اليوم ضمن مساعي التوثيق والحفاظ على التراث غير المادي. وأصبحت مهارات الصوف مجالًا تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الرؤية الثقافية المعاصرة، التي تسعى إلى صون الحرفة وإعادة تقديمها ضمن أطر أكثر استدامة.

الصورة المرافقة تلتقط هذا المعنى بدقة؛ امرأة تجلس وسط الصوف، محاطة بالألوان والنسيج، تمارس العمل بهدوء وثبات. مشهد يختصر تاريخًا طويلًا من المعرفة اليدوية، ويؤكد أن الهوية لا تُحفظ في السرد فقط، بل في الفعل المتكرر، وفي المهارة التي تواصل حضورها رغم تغيّر الأزمنة.

هكذا، من شمال المملكة، يتحول الصوف إلى لغة صامتة تعبّر عن الإنسان والمكان والزمن. نسيج يمنح الدفء للجسد، ويحفظ في خيوطه ذاكرة مجتمع عرف كيف يصنع ضروراته من بيئته، وكيف يحوّل الحاجة إلى ثقافة مستمرة.

المصدر: صحيفة الرياض (13 يناير 2026م)

0 0

لينة التاريخية.. عمق المكان وجمال المشهد

2026-01-12 اخبار

تُعدّ قرية لينة التاريخية، الواقعة على بُعد (105) كيلومترات جنوب محافظة رفحاء، إحدى أبرز القرى التاريخية التي تجمع عمق المكان وجمال المشهد، مستفيدةً من موقعها الإستراتيجي بين النفود والحَجرة، وعلى مفترق طرق رئيسة تربطها بكلٍ من الرياض والقصيم وحائل عبر الطريق الدولي للحدود الشمالية، الذي يشكّل محورًا حيويًا يربط دول الخليج بالأردن وسورية وتركيا وصولًا إلى أوروبا غربًا.
وتحظى القرية بأهمية تاريخية لوقوعها على مسار طريق تجاري قديم كان يربط إقليم نجد بالعراق، وبقربها من أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية، وهو درب زبيدة، ما أسهم في ترسيخ مكانتها التاريخية وتعزيز حضورها الثقافي، لتغدو اليوم نموذجًا مميزًا في تحسين المشهد البصري والاهتمام بالبيئة والهوية المحلية.
وشهدت قرية لينة خلال الفترة الماضية نقلة نوعية في مظهرها العام، تمثّلت في تطوير الميادين والطرق وتحويلها إلى لوحات فنية ومجسّمات جمالية تعكس روح المكان وعمق تاريخه، حيث تتجلّى المناظر الطبيعية في أبهى صورها نهارًا، فيما تتحول ليلًا إلى مشاهد بانورامية مضيئة تضفي طابعًا بصريًا جذابًا يأسر الزوّار.
وشملت أعمال التطوير تنظيم مداخل القرية ومخارجها، وتحسين الجزر الوسطية على امتداد الطرق وداخل النطاق العمراني، إلى جانب توزيع مجسّمات فنية مستوحاة من الموروث الثقافي والتراث المحلي، بما يعزّز هوية المكان ويمنح العابرين تجربة بصرية فريدة، ويجعل من لينة التاريخية وجهة سياحية وتراثية واعدة في منطقة الحدود الشمالية.

المصدر: صحيفة الرياض (12 يناير 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق